الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026
1٬657٬004 مشاهدة
آخر الأخبار

الاحتواء العاطفي… لغة الأسرة التي لا ينبغي أن تغيب

26 يوليو 2026أحمد عبدالغني الثقفي
الاحتواء العاطفي… لغة الأسرة التي لا ينبغي أن تغيب

الاحتواء العاطفي… لغة الأسرة التي لا ينبغي أن تغيب

ليست كل البيوت التي تجتمع تحت سقف واحد تنعم بالدفء الأسري، وليست كل العلاقات التي تستمر سنوات طويلة تعني أن أفرادها يشعرون بالقرب من بعضهم. فما يمنح الأسرة قوتها الحقيقية ليس كثرة الحديث، ولا وفرة الإمكانات، بل ذلك الشعور العميق بأن لكل فرد فيها مكانًا آمنًا يجد فيه من يسمعه، ويفهمه، ويحتويه.

فالاحتواء العاطفي ليس ترفًا تربويًا، ولا مفهومًا نظريًا يقتصر على المختصين، بل هو ممارسة يومية تبدأ بكلمة طيبة، ونظرة اهتمام، وإنصات صادق، واحترام للمشاعر مهما بدت بسيطة. إنه الرسالة التي تقول للآخر: “أنا أراك، وأفهم ما تشعر به، وأقف إلى جانبك.”

وفي المقابل، فإن غياب الاحتواء يترك فراغًا لا تملؤه الماديات، ولا تعوضه الإنجازات. فقد يعيش الإنسان بين أفراد أسرته، لكنه يشعر بالوحدة، أو يخشى التعبير عن مشاعره خشية النقد أو التقليل منها. ومع مرور الوقت، تتحول المشاعر المكبوتة إلى مسافات نفسية، ويصبح الحوار أقل، وسوء الفهم أكثر، وتضعف الروابط التي كانت يومًا مصدرًا للأمان.

ولعل من أكثر ما تحتاج إليه الأسرة اليوم هو إعادة الاعتبار للإنصات، والتقدير، والاحتواء، في زمن تتسارع فيه المسؤوليات وتزداد فيه الضغوط. فالزوجان بحاجة إلى الدعم المتبادل، والأبناء بحاجة إلى بيئة يشعرون فيها بأن أخطاءهم فرصة للتوجيه لا سببًا للإقصاء، وكبار السن بحاجة إلى من يمنحهم الاهتمام الذي يليق بمكانتهم.

إن الأسرة التي تتقن الاحتواء لا تعيش حياة خالية من الخلافات، لكنها تمتلك من الوعي ما يجعلها تدير اختلافاتها باحترام، وتواجه تحدياتها بتكاتف، وتخرج من أزماتها أكثر قوة وترابطًا. فالمشكلات جزء من الحياة، أما طريقة التعامل معها فهي التي تصنع الفارق.

إن بناء أسرة مستقرة يبدأ من تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها عظيمة الأثر؛ كلمة تشجيع، واعتذار صادق، واحتضان في لحظة ضعف، وحوار هادئ عند الاختلاف. فهذه المواقف اليومية هي التي ترسخ الثقة، وتعزز الشعور بالأمان النفسي، وتبني أجيالًا أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة الحياة.

وفي ظل ما يشهده المجتمع من تغيرات متسارعة، تبقى الأسرة الحصن الأول، ويبقى الاحتواء العاطفي أحد أهم مقومات تماسكها واستقرارها. فالإنسان الذي يجد في بيته السكينة، ويحظى فيه بالتقدير والقبول، يكون أكثر قدرة على العطاء، وأكثر توازنًا في علاقاته، وأكثر إسهامًا في بناء مجتمع متماسك ومزدهر.

الأخصائية الاجتماعية
عزة العتيبي