الأحد، 25 أكتوبر 2026
1٬659٬446 مشاهدة
آخر الأخبار
عاجلمؤتمر ومعرض الحج في نسخته السادسة بجدة يجمع العالم تحت شعار «من مكة إلى العالم» بأكثر من 15 منطقة وبرنامجًا رئيسيًاعاجلالكلية التقنية للبنات بجدة تختتم دورة «مهارات تصميم الأزياء» بالتعاون مع منصة هندام ضمن مبادرة «أفق»عاجلعناية الله تنقذ الإعلامي أحمد عبدالغني الثقفي من حادث مروري.. وإصابات متفرقة تستدعي الراحة والعلاجعاجل«يا عنابي يا لحن المذاق وأوتار الوفاء.. قصيدة محبة من شاعر أوتار القلم في حضرة الكرم والضيافة»عاجلالدكتور أحمد الثقفي يشيد بتجربة «المشوي العنابي» ويؤكد أن جودة المذاق وحسن الضيافة عنوان نجاح المطاعم السعوديةعاجلمليارا مسلم حول العالم تتجه قلوبهم إلى أرض الحرمين الشريفين.. مشاهد المعتمرين في مطار الرياض تهز الضمير الإنساني، وموجة غضب وتضامن عربي وإسلامي تجتاح منصات التواصل، ونجوم الفن والإعلام يعلنون وقوفهم مع السعوديةعاجلالله أكبر.. دم الشهداء أمانة ووطننا فوق كل اعتبار 🇸🇦عاجلرحل الطيار وبقي في القلب وجع السنين

ضجيج العالم وصمت القلوب حين يصبح الإنسان غريبا في زحام من يعرفهم

9 أكتوبر 2026أحمد عبدالغني الثقفي
ضجيج العالم وصمت القلوب حين يصبح الإنسان غريبا في زحام من يعرفهم

ضجيج العالم وصمت القلوب

حين يصبح الإنسان غريبا في زحام من يعرفهم

لم تكن المسافات يوما هي التي تصنع الغربة بين البشر، فقد يسكن إنسان في أقصى الأرض ويكون أقرب إلى روحك من شخص يجلس بجوارك، وقد تتحدث مع المئات كل يوم ثم تعود إلى نفسك مثقلا بوحدة لا يعرفها أحد.

إننا نعيش زمنا غريبا، أصبح فيه الإنسان قادرا على مخاطبة العالم كله، لكنه قد يعجز عن العثور على شخص واحد يبوح له بما يؤلمه. لم تعد المشكلة في غياب وسائل التواصل، وإنما في ندرة القلوب التي تعرف كيف تستقبل الإنسان دون أحكام، وتفهم حزنه دون استجواب، وتحتضن ضعفه دون أن تستغله.

لقد أصبح العالم أكثر ضجيجا، لكن القلوب لم تصبح أكثر طمأنينة.

والأشد إيلاما أن كثيرا من الناس لم يعودوا يبحثون عمن يسمع حديثهم، بل عمن يشعر بوجودهم. فالإنسان قد يتحمل مشقة الحياة وقسوة الظروف، لكنه يتعب حين يشعر أن حزنه لا يعني أحدا، وأن غيابه لا يثير سؤالا، وأن حضوره لا يترك أثرا.

هناك أشخاص يضحكون في المجالس حتى يظن الجميع أنهم أسعد الناس، بينما يحملون في أعماقهم حكايات من الانكسار لا يعرفها أقرب المقربين. لا لأنهم يرفضون البوح، بل لأن التجارب علمتهم أن بعض الآذان تسمع لتجيب، وبعض العيون تنظر لتحكم، وقليلا من القلوب يصغي ليفهم.

ومن المفارقات المؤلمة أن الإنسان قد يكتب حزنه أمام الجميع فيمر عليه المئات بإعجاب عابر، بينما كان يحتاج إلى رسالة خاصة واحدة تقول له: شعرت بما كتبت، هل أنت بخير حقا؟

لقد أتقن بعضنا فن الظهور، لكنه نسي جمال الحضور. فالظهور أن يعرف الناس أخبارك، أما الحضور فهو أن يشعروا بك. والظهور تصنعه الشاشات، أما الحضور الحقيقي فتصنعه المواقف.

وما أقسى أن تتحول العلاقات إلى واجبات اجتماعية تؤدى في المناسبات، وعبارات مجاملة تتكرر بلا روح، ووعود باللقاء لا تجد طريقها إلى التنفيذ. حتى أصبح بعض الناس يحتفظون بأرقام أصدقائهم سنوات طويلة، ولا يعرفون عن أحزانهم شيئا.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نحمل التقنية مسؤولية ما أهملته نفوسنا؛ فالهاتف لا يمنع الرحمة، والشاشة لا تلغي الوفاء، والانشغال لا يبرر الجفاء الدائم. إن المشكلة ليست في الأدوات التي بين أيدينا، بل في الطريقة التي نمنح بها اهتمامنا ووقتنا ومشاعرنا.

إن الإصغاء الحقيقي صورة راقية من صور المحبة، وهو ليس مهارة في الإنصات فحسب، بل أخلاق في التعامل مع هشاشة الآخرين. أن تسمع إنسانا دون أن تسخر من مخاوفه، وأن تحترم حزنه حتى لو بدا لك صغيرا، وأن تحفظ سره إذا ائتمنك عليه، وأن تدرك أن بعض النفوس لا تحتاج إلى نصيحة بقدر حاجتها إلى الأمان.

وأجمل الناس ليسوا بالضرورة أكثرهم حديثا أو حضورا في المناسبات، بل أولئك الذين نشعر معهم أننا لسنا مضطرين إلى ارتداء أقنعة القوة، أو إخفاء دموعنا، أو تبرير تعبنا.

ولعلنا بحاجة إلى إعادة النظر في معنى القرب. فالقريب ليس من يكثر الاتصال بك، وإنما من لا يتخلى عنك حين تحتاج إليه. والصديق ليس من يحفظ تفاصيل نجاحك وحدها، بل من يعرف كيف يقف بجوارك في أيام انكسارك. والمحبة ليست كلمات تتزين بها الرسائل، وإنما مواقف تترك في الروح يقينا بأن هناك من يهتم.

ومن وحي هذه المشاعر أقول:

قصيدة: لمن نشكو صمت هذا الزمان؟

يا قلبُ كم تخفي وراءَ سكونِ
وجعا يفيضُ بحرقةِ المحزونِ

والناسُ حولكَ في الزحامِ كأنهم
صورٌ تمرُّ بخاطرٍ مسجونِ

كم صاحبٍ ملأ المجالسَ ضحكةً
وأتى إلى ليلِ الأسى بطعونِ

وكم ابتسامٍ في الوجوهِ وراءَهُ
قلبٌ يئنُّ بحرقةٍ وشجونِ

نادت قلوبُ الناسِ أينَ أحبتي
أين الوفاءُ وصدقُ كلِّ حنونِ

ما عاد يكفي أن نبادلَ لفظةً
والروحُ تظمأُ للوفاءِ المصونِ

إن المحبةَ أن تكونَ مواسيا
للمنكسرِ المتعبِ المحزونِ

أن تستمعْ للصمتِ حينَ يبوحُ في
عينٍ تخبئُ دمعةً بجفونِ

أن تمنحَ الإنسانَ دفءَ مشاعرٍ
وتصونَ سرَّ القلبِ دونَ ظنونِ

فالعمرُ يمضي والقلوبُ رهينةٌ
بينَ التباعدِ والحنينِ الدفينِ

عودوا إلى دفءِ المودةِ إنها
تبقى وتزهرُ في فؤادٍ حنونِ

لا تتركوا قلبا يحبكمُ أسىً
فالجرحُ يكبرُ في غيابِ العونِ

وفي الختام

ليس الفقر الحقيقي أن تقل الأشياء التي نملكها، بل أن تقل القلوب التي نستطيع اللجوء إليها حين تضيق بنا الحياة.

وليس الثراء أن يعرفك آلاف الناس، بل أن تجد بينهم إنسانا واحدا تستطيع أن تكون أمامه على حقيقتك، دون خوف من سوء الفهم أو قسوة الحكم.

فلنكن لبعضنا ملاذا لا عبئا، ورحمة لا قسوة، وطمأنينة لا قلقا. ولنمنح أحبتنا من اهتمامنا ما يجعلهم يشعرون بأنهم مرئيون في قلوبنا، لا مجرد أسماء محفوظة في هواتفنا.

فأشد أنواع الغربة ليست أن تعيش بعيدا عن الناس، وإنما أن تعيش بينهم ولا يجد قلبك من يفهم لغته.

✍️ أحمد عبدالغني الثقفي
شاعر أوتار القلم