الترقية والمحاباة الوظيفية على حساب الموظف المجتهد

الترقية والمحاباة الوظيفية على حساب الموظف المجتهد
من أشد ما يوجع الموظف المجتهد ألا يتأخر في أداء واجبه، ولا يبخل بخبرته، ولا يتهاون في مسؤولياته، ثم يأتي يوم الترقية فيجد أن سنوات العطاء لم تكن كافية، وأن ما بناه بالتعب والانضباط والتطوير المستمر قد لا ينعكس بالضرورة على النتيجة التي كان ينتظرها.
الترقية في الأصل ليست مجرد زيادة في المرتبة أو الراتب؛ إنها رسالة مؤسسية تقول للموظف: لقد رأينا جهدك، وقدّرنا عطاءك، ونعترف باستحقاقك.
ولهذا تصبح المسألة أكثر إيلامًا عندما يتولد لدى الموظف شعور بأن معايير الاجتهاد والكفاءة والخبرة لم تكن هي العامل الحاسم، أو عندما تغيب عنه أسباب الاختيار والاستبعاد، فيبدأ السؤال المشروع:
هل كانت المفاضلة فعلًا بين الكفاءات، أم أن هناك عوامل أخرى لا يعرفها الموظف؟
ولا يصح بالطبع أن يتحول الشعور بالظلم إلى اتهام مباشر بلا دليل، كما لا يصح في المقابل أن تُترك إجراءات الترقيات غامضة إلى درجة تجعل الموظفين أسرى للشكوك والتفسيرات.
المحاباة الوظيفية – متى ثبت وجودها – لا تظلم شخصًا واحدًا فقط، بل تضر المؤسسة كلها؛ لأنها ترسل أخطر رسالة ممكنة إلى بيئة العمل: أن الاجتهاد وحده قد لا يكون كافيًا.
وعندما يترسخ هذا الشعور، يبدأ الموظف المتفوق في التساؤل: لماذا أطور نفسي؟ لماذا أحصل على الدورات والشهادات؟ لماذا أتحمل المسؤوليات الإضافية؟ لماذا أحقق تقييمات مرتفعة إذا كانت النتيجة النهائية قد لا تعكس كل هذا الجهد؟
هنا تتحول خسارة الترقية من مسألة شخصية إلى مشكلة إدارية؛ لأن المؤسسة قد تخسر الدافعية قبل أن تخسر الموظف نفسه.
الموظف لا يطلب أن يُرقّى مجاملة، ولا ينبغي له ذلك. لكنه من حقه أن يعرف بوضوح:
ما درجته في المفاضلة؟
وما ترتيبه بين المتنافسين؟
وما العناصر التي احتُسبت له؟
وما العناصر التي لم تُحتسب؟
وكم كان الفارق بينه وبين المرشح؟
وما السبب المهني الموضوعي الذي جعل مرشحًا يتقدم على آخر؟
هذه الشفافية هي أفضل وسيلة لحماية الجميع؛ فهي تحمي الموظف من الشعور بالغبن، وتحمي الإدارة من الاتهامات، وتحمي المرشح الفائز نفسه من التشكيك في استحقاقه.
فالعدل الوظيفي لا يعني أن ينجح الجميع، وإنما يعني أن يعرف الجميع لماذا نجح من نجح، ولماذا لم يُرشح من لم يُرشح وفق معايير واضحة قابلة للتحقق.
وأشد أنواع الإحباط أن يرى الموظف زملاءه يحتفلون بترقياتهم، وهو يبتسم لهم ويبارك لهم من قلبه، بينما يحمل داخله سؤالًا كبيرًا عن سنوات عمله وخبرته وإنجازاته.
ليس حسدًا للآخرين، ولا اعتراضًا على أرزاقهم، بل ألم الإنسان حين يشعر بأن دوره كان ينبغي أن يأتي ولم يأتِ.
ولهذا فإن المؤسسات الناجحة لا تكتفي بإعلان أسماء المترقين، بل تبني منظومة تجعل غير المترقي قادرًا على فهم النتيجة وقبولها، أو الاعتراض عليها عبر قناة واضحة إن وجد خطأ في احتساب بياناته.
إن الموظف المجتهد يستطيع أن يتحمل تأخر الترقية مرة، وربما مرتين، لكنه يصعب عليه أن يتحمل غياب التفسير؛ لأن الإنسان قد يتقبل خسارة فرصة عادلة، لكنه يجد صعوبة بالغة في تقبل نتيجة لا يعرف كيف صُنعت.
وفي النهاية، لا نريد ترقية بالمجاملة لأحد، ولا حرمانًا بالمجاملة من أحد.
نريد فقط ميزانًا واحدًا للجميع:
الكفاءة، والخبرة، والأداء، والإنجاز، والمؤهلات، والاستحقاق.
وحين يعرف الموظف أن هذا الميزان لا يميل لاسم أو علاقة أو قرب أو معرفة، سيقبل النتيجة حتى لو لم تكن لصالحه، وسيعود إلى مكتبه في اليوم التالي أكثر إصرارًا على النجاح.
أما حين يهتز إحساسه بالعدالة، فالمشكلة لم تعد في ترقية ضاعت؛ بل في ثقة قد تضيع معها سنوات من الولاء والعطاء.
فالوظيفة قد تستمر بلا ترقية، لكن المؤسسات لا تزدهر طويلًا بلا عدالة.