الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026
1٬656٬378 مشاهدة
آخر الأخبار

بعد أكثر من ستة عقود.. «الرياض» تطوي آخر صفحات الورق وتفتح فصلاً جديداً في الصحافة الرقمية

24 أغسطس 2026أحمد عبدالغني الثقفي
بعد أكثر من ستة عقود.. «الرياض» تطوي آخر صفحات الورق وتفتح فصلاً جديداً في الصحافة الرقمية

بعد أكثر من ستة عقود.. «الرياض» تطوي آخر صفحات الورق وتفتح فصلاً جديداً في الصحافة الرقمية

في محطة تاريخية للصحافة السعودية.. العدد الصادر اليوم 24 أغسطس 2026 يسدل الستار على النسخة المطبوعة لواحدة من أعرق الصحف السعودية

الرياض – 24 أغسطس 2026

في صباح مختلف عن كل صباحات الصحافة السعودية، صدرت اليوم الاثنين 24 أغسطس 2026 آخر نسخة ورقية من جريدة «الرياض»، لتطوي الصحيفة العريقة صفحة امتدت لأكثر من ستة عقود من الطباعة اليومية، وتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الصحافة الرقمية وصناعة المحتوى للمستقبل.

ولا يمثل توقف النسخة المطبوعة نهاية لمسيرة «الرياض»، بقدر ما يجسد تحولاً في الوسيلة التي تصل بها إلى قرائها؛ فالصحيفة التي رافقت المجتمع السعودي منذ عام 1965، ووثقت على صفحاتها مراحل مفصلية من تاريخ المملكة السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والرياضي، تواصل حضورها اليوم عبر فضاء رقمي لم تعد فيه حدود الجغرافيا أو مواعيد المطابع تحدد زمن وصول الخبر.

من الورقة الأولى إلى الشاشة

منذ انطلاقتها في ستينيات القرن الماضي، حملت «الرياض» اسم العاصمة السعودية وأصبحت واحدة من العلامات البارزة في تاريخ الصحافة المحلية، وعاصرت على امتداد عقود تحولات كبرى شهدتها المملكة، فكانت صفحاتها سجلاً يومياً للتنمية، وذاكرة للأحداث، ومنبراً للكتّاب والمثقفين والمفكرين والصحفيين.

وانطلقت الصحيفة في بدايات متواضعة من حيث عدد الصفحات والإمكانات الفنية، قبل أن تتطور مع تطور صناعة الصحافة والطباعة في المملكة، وتتحول مؤسسة اليمامة الصحفية إلى واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية السعودية.

ومع مرور السنوات، لم يعد أرشيف «الرياض» مجرد أعداد قديمة محفوظة في الرفوف؛ بل أصبح ذاكرة وطنية ضخمة توثق بالصورة والخبر والتحقيق والمقال تفاصيل مراحل متعاقبة من تاريخ المجتمع السعودي.

العدد الأخير.. أكثر من صحيفة

ولهذا، فإن النسخة الورقية الأخيرة التي يحملها القراء اليوم لا تمثل عدداً صحفياً عادياً.

إنها قطعة من التاريخ.

صفحات تحمل معها ذاكرة أجيال اعتادت أن تبدأ صباحها بصوت تقليب الجريدة، ورائحة الحبر، والعناوين العريضة، وصور الأحداث التي كانت تصل إلى البيوت والمكاتب والمجالس قبل أن تصبح الأخبار اليوم في متناول اليد خلال ثوانٍ.

وبين الصفحة الأولى التي خرجت إلى القراء عام 1965، والصفحة الأخيرة التي تطوى في أغسطس 2026، تغير العالم كثيراً، وتغيرت المملكة بصورة هائلة، وتغير معها الإعلام والجمهور ووسائل تلقي الأخبار.

لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً: قيمة المعلومة الموثوقة والثقة التي تبنيها المؤسسة الإعلامية مع جمهورها عبر الزمن.

ليست نهاية «الرياض»

التحول إلى الصحافة الرقمية لا يعني غياب «الرياض»، وإنما غياب الورقة التي حملتها لأكثر من ستين عاماً.

فالصحيفة ستواصل حضورها عبر منصاتها الرقمية، في بيئة إعلامية أصبحت فيها الشاشة هي الصفحة، والهاتف هو نافذة الخبر، والفيديو والصوت والبيانات والوسائط التفاعلية والذكاء الاصطناعي أدوات أساسية في صناعة المحتوى الحديث.

وكانت «الرياض» قد دخلت عالم النشر الإلكتروني مبكراً، قبل أن يصبح الإنترنت المنصة الرئيسية للأخبار، وهو ما يمنح تجربتها الحالية امتداداً طبيعياً لمسيرة طويلة من التطوير والتحديث.

واليوم تدخل الصحيفة مرحلة ستكون المنافسة فيها مختلفة؛ فالمنافس ليس صحيفة أخرى على رف البيع، وإنما ملايين الرسائل والأخبار والصور ومقاطع الفيديو التي تصل إلى المستخدم في كل لحظة.

وهنا يصبح التحدي الحقيقي هو المحافظة على ما صنعته عقود الصحافة الورقية من ثقة ومهنية ومصداقية، ونقل هذه القيم إلى بيئة إعلامية أكثر سرعة وتفاعلاً واتساعاً.

ذاكرة وطن لا تطويها الصفحات

على صفحات «الرياض» مرت أسماء كثيرة صنعت جانباً من تاريخ الصحافة السعودية؛ رؤساء تحرير، وكتاب، ومحررون، ومصورون، ورسّامون، ومخرجون، وفنيون، وإداريون، وعاملون ظلوا لعقود جزءاً من رحلة الخبر من غرفة التحرير إلى المطبعة ثم إلى يد القارئ.

كما عبرت صفحاتها أحداث الوطن الكبرى، وصور الملوك والقادة، ومشروعات التنمية، والتحولات الاجتماعية، والمنجزات الاقتصادية، والحراك الثقافي، والانتصارات الرياضية، وقصص الناس وتفاصيل حياتهم اليومية.

ولهذا فإن توقف الورق لا يمحو هذه الذاكرة، بل ربما يمنحها حياة جديدة عندما تتحول ملايين الصفحات والصور والمواد الصحفية إلى محتوى رقمي قابل للبحث والاستعادة وإعادة التقديم للأجيال المقبلة.

الصحافة تتغير.. ولا تنتهي

يمثل خروج آخر نسخة ورقية من «الرياض» مشهداً بالغ الدلالة على التحول الذي تشهده صناعة الإعلام عالمياً.

فالخبر الذي كان ينتظر موعد الطباعة والتوزيع أصبح يصل في اللحظة ذاتها، والصورة التي كانت تنتظر مساحة في الصفحة أصبحت معرضاً كاملاً، والتحقيق الصحفي أصبح قادراً على الجمع بين النص والفيديو والصوت والخرائط والبيانات في تجربة واحدة.

ومن هنا فإن السؤال لم يعد: هل يبقى الورق؟

بل أصبح: كيف تبقى الصحافة قوية وموثوقة ومؤثرة مهما تغيرت الوسيلة؟

وذلك هو الرهان الحقيقي أمام المؤسسات الإعلامية العريقة في عصر التحول الرقمي.

الورق يودع.. والقلم يبقى

سيحتفظ كثير من القراء بنسخة اليوم.

قد توضع في مكتبة، أو داخل ملف، أو بين مقتنيات صحفي أمضى سنوات عمره في المهنة.

وبعد أعوام، ربما يفتح أحدهم هذه الصفحات ويقول:

هنا انتهى عصر من الصحافة السعودية.. وبدأ عصر آخر.

ستتوقف المطابع، لكن الأخبار لن تتوقف.

ستغيب رائحة الحبر، لكن الكلمة ستبقى.

وستتحول الصفحة من ورقة بين اليدين إلى شاشة تصل إلى القارئ أينما كان.

أما «الرياض»، التي حملت طوال أكثر من ستة عقود جزءاً من ذاكرة المملكة، فإنها لا تكتب اليوم كلمة الختام، وإنما تضع نقطة في نهاية فصل طويل، لتبدأ على الجانب الآخر من الشاشة فصلاً جديداً من قصتها الإعلامية.

إنها ليست آخر صفحة من «الرياض»..
إنها فقط آخر صفحة من الورق.