الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026
1٬656٬378 مشاهدة
آخر الأخبار

حين تنتهي المصلحة… ويُحظر الوفاء

22 أغسطس 2026أحمد عبدالغني الثقفي
حين تنتهي المصلحة… ويُحظر الوفاء

حين تنتهي المصلحة… ويُحظر الوفاء

ليست كل الصداقات التي تبدأ بالمودة تنتهي بالمودة، وليست كل الكلمات الجميلة التي تُقال في لحظات القرب ميثاقا يبقى عند الشدائد. فبعض الناس يدخلون حياتنا بوجه الصديق، ويتحدثون بلسان الأخ، ويقسمون أن المسافة بين القلوب لا تقاس بالأيام ولا بالمصالح، ثم ما إن تنتهي حاجتهم حتى يتغير كل شيء، وكأن ما كان بيننا لم يكن.

أقسى ما في الخذلان ليس أن يبتعد عنك إنسان، فالابتعاد حق لكل شخص متى أراد، ولكن المؤلم أن تكتشف أن قربه منك كان مرتبطا بما يستطيع أن يأخذه منك، وأن الصداقة التي ظننتها قائمة على الوفاء كانت عنده طريقا مختصرا إلى منفعة أرادها.

تمد له يدك حين يحتاج، وتفتح له أبوابك حين تضيق أمامه الأبواب، وتمنحه من وقتك وجهدك ومعرفتك وربما من مكانتك ما تستطيع، لا لأنك تنتظر مقابلا، بل لأنك اعتقدت أن بينكما عهدا غير مكتوب اسمه الصداقة.

ثم تأتي اللحظة التي يحصل فيها على ما يريد.

وفجأة… يصمت الهاتف.

تختفي الرسائل.

تغلق الأبواب.

ثم تكتشف أنك محظور في برنامج، ثم آخر، ثم في كل وسائل التواصل، وكأن القرار لم يكن مجرد ابتعاد، بل محاولة لمحوك من ذاكرته الرقمية، وربما من ذاكرته الإنسانية أيضا.

وهنا لا يكون السؤال: لماذا حظرني؟

بل السؤال الأعمق:

كيف استطاع أن يحظر كل تلك الذكريات معه؟

كيف استطاع أن يتجاهل الأيام التي وقفنا فيها معه؟

كيف نسي الكلمات التي كان يرددها عن الأخوة والوفاء؟

كيف تحولت عبارات: «أنت أخي»، و«لن أنسى وقفتك»، و«ما بيننا أكبر من المصالح»، إلى زر صغير اسمه: حظر؟

المؤسف أن بعض البشر يتعاملون مع العلاقات كما يتعاملون مع التطبيقات؛ يحتفظون بك ما دمت تؤدي وظيفة يحتاجونها، فإذا انتهت حاجتهم ضغطوا «حذف».

وهؤلاء لا يخسرون شخصا فقط، بل يخسرون قيمة عظيمة في حياتهم: إنسانا كان يحبهم بلا حساب.

الصديق الحقيقي لا يُقاس بعدد الرسائل التي يرسلها إليك في أيام الرخاء، بل بموقفه عندما لا يبقى لديه شيء يريده منك.

هناك يظهر معدن الناس.

من يبقى رغم انتهاء المصلحة، فهو الصديق.

ومن يتغير بمجرد حصوله عليها، فقد كان عابرا يحمل اسم الصداقة، لا معناها.

ومن المؤلم أحيانا أن ندرك متأخرين أن بعض الذين جلسوا معنا على مائدة الوفاء كانوا يعدّون مكاسبهم، بينما كنا نحن نعدهم من أهل القلب.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يجعلنا خذلان شخص واحد نندم على أخلاقنا.

لا تقل:

«ليتني لم أساعده.»

بل قل:

أنا فعلت ما يشبهني، وهو فعل ما يشبهه.

أنت أحسنت لأن الإحسان من أخلاقك، وليس لأن الطرف الآخر يستحقه بالضرورة.

ووفيت لأن الوفاء جزء منك، وليس عقدا يضمن أن يكون الآخر وفيا مثلك.

فالإنسان لا يُحاسب أمام ضميره على أخلاق الآخرين، وإنما على أخلاقه هو.

وقد يظن من حظرك أنه أغلق عليك بابا، بينما الحقيقة أنه أغلق بابا على نفسه.

فالأوفياء لا يُعوّضون بسهولة.

والأصدقاء الذين يقفون مع الإنسان في ضعفه واحتياجه قليلون.

ومن يفرط فيهم لأجل مصلحة عابرة قد يأتيه يوم يبحث فيه عن يد صادقة فلا يجدها.

أما أنت، فلا تطارده.

ولا تتوسل إليه أن يفتح باب التواصل.

ولا تدخل في معركة لإثبات فضلك.

فالفضل الذي يحتاج إلى محكمة لإثباته لم يعد يستحق الجدال.

يكفي أنك تعرف ما فعلت، ويكفي أن الله يعلم ما قدمت، ويكفي أن الأيام تعرف كيف تعيد لكل إنسان صورة أفعاله.

وفي العلاقات، كما في الحياة، هناك خسائر تبدو مؤلمة في البداية ثم نكتشف لاحقا أنها كانت نوعا من النجاة.

فربما لم تخسر صديقا حين حظرك.

ربما اكتشفت فقط أن الصديق الذي كنت تظنه موجودا… لم يكن موجودا من الأصل.

لقد كنت مخلصا لصورة جميلة صنعتها عنه في قلبك، بينما كان هو ينظر إلى العلاقة بطريقة مختلفة تماما.

ولا بأس.

تلك أيضا معرفة ثمينة.

تعلمنا أن نفرق مستقبلا بين من يسأل عنا، ومن يسأل عما عندنا.

بين من يحب حضورنا، ومن يحب خدماتنا.

بين من يرى فينا إنسانا، ومن يرانا وسيلة.

الصداقة الحقيقية لا تحتاج إلى عقود مكتوبة، لكنها تحتاج إلى ضمير.

والأخوة لا يصنعها طول المعرفة وحده، بل تصنعها المواقف.

أما العهد والميثاق الحقيقيان فلا يظهران عندما يحتاجك الإنسان، بل عندما تنتهي حاجته إليك ويظل إلى جوارك كما كان.

وحين يحظرك شخص بعد أن أخذ مصلحته منك، لا تجعل آخر صورة له في قلبك هي صورة الغضب.

اجعلها درسا.

وقل لنفسك بهدوء:

لقد أعطيته من أخلاقي، وأعطاني من طبعه؛ فلا أنا نادم على الوفاء، ولا ينبغي لي أن أحزن طويلا على من لم يعرف قيمته.

فبعض الأبواب حين تُغلق لا ينبغي طرقها مرة أخرى.

وبعض الأشخاص حين يختارون الرحيل بهذه الطريقة، تكون أجمل إجابة لهم أن نتركهم حيث اختاروا أن يكونوا…

بعيدا.

ونمضي نحن، محتفظين بكرامتنا، وبقلب لم يتعلم الخيانة لمجرد أنه ذاقها.

لأن أجمل انتصار بعد الخذلان ليس أن تجعل من خذلك يندم…

بل أن تظل بعده إنسانا نقيا، تعرف قيمة الوفاء، لكنك أصبحت أكثر حكمة في اختيار من يستحقه.
صديق المصلحة

أعطيتك الود من قلبي ومغناك
وكنت أحسب وفا الأيام مرساك

ومدت يدي لك في وقت الشدايد
ولا طلبت سوى صدقك ورضواك

واليوم لما انتهت منك المصالح
صرت الغريب الذي بالأمس يهواك

حظرت صوتي كأن العهد ما كان
وكأن قلبي ولا الأيام ذكراك

أخذت ما شئت من جهد ومن ثقة
ثم استدرت كأن الحب ما جاك

يا صاحبي، ما وجعتني قطيعتك
لكن وجعني عظيم الزيف بمرآك

كنت أظن الصديق حصن مودته
فبان لي أن نفع الذات مأواك

لا تنتظر أن أجيء اليوم أطرقكم
من باع ودّي، أنا ما عدت أرجاك

أبقى وفيا ولو خانت مودتكم
فالطبع طبعي، ولا أختار مسعاك

يكفيني أني حفظت العهد محترما
ويكفيك أنك بعد العهد أنساك

غدا ستعرف إذا ضاقت بك الدنيا
أن المواقف هي الميزان نجواك

أما أنا فسامضي دونما أسف
فالحر لا ينحني لمن استغلاك

من كان يطلبني وقت المصالح ثم
ينساني بعدها… ما عاد يسواك