مطبعة سدن… حين تتحول الحرفة إلى فنّ والإتقان إلى أثر

مطبعة سدن… حين تتحول الحرفة إلى فنّ والإتقان إلى أثر
الدكتور أحمد عبدالغني الثقفي يوجّه رسالة شكر وتقدير لفريق «سدن للتصميم والطباعة» في جدة ويشيد بجودة العمل وحسن التعامل وسرعة الإنجاز
جدة – أحمد عبدالغني الثقفي
ليست كل تجربة مهنية عابرة، وليست كل معاملة تجارية تنتهي بانتهاء الطلب وتسليم المنتج؛ فهناك تجارب تترك في النفس شيئًا من الامتنان، لأن الإنسان يجد خلف العمل أناسًا يؤمنون بأن الإتقان مسؤولية، وأن احترام العميل أخلاق، وأن الوفاء بالموعد قيمة لا تقل أهمية عن جودة المنتج نفسه.
ومن هنا تأتي كلمتي اليوم إلى مطبعة سدن للتصميم والطباعة في جدة، لا باعتبارها مجرد إشادة بمكان يقدم خدمات الطباعة والتصميم، وإنما بوصفها رسالة شكر ووفاء وتقدير لكل يد أسهمت في صناعة العمل، ولكل عين راجعت التفاصيل، ولكل عقل فكّر في تحسين المخرج النهائي، ولكل شخص جعل من رضا العميل هدفًا يستحق العناية.
لقد كان ما شاهدته وتعاملت معه في «سدن» باعثًا على التقدير؛ فحين يجتمع حسن الاستقبال مع دقة التنفيذ، وحين تلتقي الخبرة بالذوق، والسرعة بالعناية، تصبح التجربة جديرة بأن تُذكر، ويصبح الشكر واجبًا أدبيًا وأخلاقيًا قبل أن يكون مجرد كلمات مجاملة.
شكر لا تقوله الكلمات وحدها
إلى فريق مطبعة سدن:
شكرًا لأنكم تدركون أن الورقة التي تمر بين أيديكم قد تكون عند صاحبها أكثر من ورقة.
قد تكون كتابًا انتظر صاحبه سنوات ليراه مطبوعًا.
وقد تكون ذكرى أراد إنسان أن يحفظها من النسيان.
وقد تكون هوية لمشروع بدأ بحلم صغير.
وقد تكون دعوة لمناسبة عزيزة.
وقد تكون شهادة أو إصدارًا أو موسوعة أو وثيقة ستبقى في مكتبة لعشرات السنين.
وهنا يظهر الفرق بين من يطبع الورق ومن يصنع الأثر.
فالطباعة في معناها العميق ليست حبرًا يوضع على صفحات، وإنما هي لحظة انتقال الفكرة من عالم الذهن إلى عالم الوجود؛ ومن شاشة الحاسوب إلى يد القارئ؛ ومن مسودة قابلة للتغيير إلى وثيقة تشهد على مرحلة من حياة صاحبها.
ولهذا فإن المطبعة المحترفة تحمل مسؤولية أكبر بكثير مما قد يبدو للوهلة الأولى.
إنها تستلم من الإنسان شيئًا يحبه، ثم تصبح مسؤولة عن أن تعيده إليه بالصورة التي حلم بها، أو أجمل.
التفاصيل الصغيرة تصنع الأعمال الكبيرة
أكثر ما تعلمته من سنوات طويلة في الإعلام والثقافة والعمل مع الكتب والمشروعات التوثيقية، أن الأعمال الكبيرة قد تتعثر بسبب تفصيل صغير، كما أن تفصيلًا صغيرًا متقنًا قد يرفع قيمة العمل كله.
درجة اللون.
سماكة الورق.
وضوح الصورة.
انضباط الهوامش.
طريقة القص.
التجليد.
تماسك الغلاف.
حجم الخط.
تناسق الصفحات.
جمال التغليف.
حتى اللحظة التي يوضع فيها المنتج النهائي بين يدي صاحبه.
كل تلك الأشياء ربما لا يفكر فيها القارئ، لكنه يشعر بها.
يشعر أن الكتاب جميل، حتى وإن لم يعرف لماذا.
يشعر أن البطاقة أنيقة.
ويشعر أن العلبة فاخرة.
وأن المطبوع احترافي.
والسبب في كثير من الأحيان هو عشرات التفاصيل الصغيرة التي اجتمعت في صمت حتى صنعت ذلك الانطباع الكبير.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الحرفة.
الكلمة حين ترتدي أجمل ثيابها
وبوصفي كاتبًا وشاعرًا، فإن علاقتي بالطباعة تختلف قليلًا.
فالكاتب يعيش مع النص طويلًا قبل أن يصل إلى المطبعة.
يكتب كلمة ويحذف أخرى.
ويعيد صياغة الصفحة.
ويبحث عن عنوان.
ويراجع العبارة عشرات المرات.
ثم تأتي لحظة مختلفة تمامًا:
أن يرى كلماته وقد أصبحت كتابًا.
تلك اللحظة يعرفها المؤلفون جيدًا.
رائحة الورق.
ملمس الغلاف.
الصورة الأولى للكتاب بين اليدين.
تقليب الصفحات للمرة الأولى.
كل ذلك يصنع شعورًا لا تستطيع الشاشة الرقمية أن تمنحه بالكامل.
ولذلك فإن المطبعة بالنسبة للمؤلف ليست آخر محطة صناعية في رحلة الكتاب، بل هي الباب الذي تعبر منه الكلمة إلى الخلود المادي.
ومن هنا كان تقديري لكل جهة تحترم الكتاب والكلمة والمحتوى، وتتعامل مع المطبوع باعتباره عملًا يستحق العناية.
الإنسان قبل الآلة
مهما تطورت أجهزة الطباعة، ومهما أصبحت الآلات أسرع وأكثر دقة، سيظل الإنسان هو العنصر الذي يمنح العمل روحه.
فالجهاز يستطيع أن يطبع آلاف الأوراق، لكنه لا يستطيع أن يستقبل العميل بابتسامة.
ولا يستطيع أن يفهم قلق مؤلف على غلاف كتابه.
ولا يستطيع أن يصبر على تعديل أخير قبل اعتماد النسخة.
ولا يستطيع أن يقول:
سنراجعها مرة أخرى حتى تكون كما تريد.
هذه التفاصيل الإنسانية هي التي تصنع الوفاء بين العميل والمكان.
ولذلك فإن تقديري لفريق مطبعة سدن لا يتعلق بالمنتج فقط، وإنما بروح العمل ذاتها؛ لأن حسن التعامل ليس إضافة ثانوية إلى الجودة، بل هو جزء منها.
من جدة… صناعة تتقدم بثقة
ويسعدني دائمًا أن أرى منشأة سعودية محلية تعمل وتطور أدواتها وتخدم مجتمعها، فهذا النجاح لا يعود على أصحاب المشروع وحدهم، بل ينعكس على حركة اقتصادية وثقافية وإبداعية كاملة.
خلف كل مطبعة ناجحة عشرات المستفيدين:
كاتب يستطيع إصدار كتابه.
رائد أعمال يستطيع بناء هوية مشروعه.
متجر يستطيع تقديم منتجاته بصورة أفضل.
مؤسسة تحصل على مطبوعات تليق باسمها.
طالب يقدم مشروعه.
عائلة تحفظ مناسبتها.
وشركة تعرض منتجاتها.
ومبدع يرى فكرته حقيقة.
ولهذا فإن دعم المشروعات السعودية المتميزة وتشجيعها والإشادة بها عند استحقاقها هو دعم لمنظومة كاملة من العمل والإنتاج والإبداع.
شهادة امتنان
ومن باب أن من لا يشكر الناس لا يعرف قيمة الجميل، فإنني أكتب هذه الكلمات اليوم شهادة تقدير لكل العاملين في مطبعة سدن.
شكرًا لمن استقبل.
وشكرًا لمن صمم.
وشكرًا لمن راجع.
وشكرًا لمن طبع.
وشكرًا لمن قصّ وجلد وجهّز.
وشكرًا لمن تابع حتى وصلت الأعمال إلى مرحلتها الأخيرة.
إن المنتج النهائي يحمل اسم العميل، ولكنه في الحقيقة يحمل أيضًا بصمات كثيرة لا تظهر عليها الأسماء.
وفي كل كتاب جميل عامل لم يُكتب اسمه.
وفي كل غلاف متقن مصمم قضى وقتًا أمام الشاشة.
وفي كل تسليم في الموعد شخص كان يستطيع التأجيل، لكنه اختار الالتزام.
لهؤلاء جميعًا أقول:
أنتم شركاء في صناعة الجمال.
سدن… الاسم الذي يصبح وعدًا
القيمة الحقيقية لأي علامة تجارية تبدأ عندما يتحول اسمها عند العميل إلى معنى.
فيقال هذا المكان يعني السرعة.
وهذا يعني الجودة.
وهذا يعني الثقة.
وهذا يعني أنني أستطيع أن أسلمهم فكرتي مطمئنًا إلى أنها ستعود إليّ بصورة تليق بها.
وكل مؤسسة ناجحة تسعى في النهاية إلى هذه النقطة؛ أن يتحول اسمها من كلمة مكتوبة على اللوحة إلى وعد في ذهن العميل.
وما أجمل أن يكون ذلك الوعد:
عمل جميل… وموعد محترم… وتعامل كريم.
كلمة من القلب
إلى أسرة مطبعة سدن للتصميم والطباعة:
قد تنسون يومًا بعض الأعمال التي أنجزتموها لكثرة ما يمر بين أيديكم من طلبات، لكن أصحابها قد لا ينسونها.
فالكتاب الذي تطبعونه قد يبقى في مكتبة أسرة أجيالًا.
والصورة التي تخرج من أجهزتكم قد تحتفظ بها عائلة عمرًا كاملًا.
والهوية التي تصممونها قد تصبح وجه شركة ناجحة بعد سنوات.
والمنتج الذي تغلفونه اليوم قد يصبح يومًا علامة تجارية يعرفها الآلاف.
لهذا لا تستهينوا أبدًا بجمال ما تفعلونه.
إنكم لا تتعاملون فقط مع الورق والحبر.
أنتم تتعاملون أحيانًا مع أحلام الناس وذكرياتهم وطموحاتهم وأسمائهم.
وما أجمل المهنة حين تدرك رسالتها.
لهذا كتبت لكم اليوم لا بلغة العميل، وإنما بلغة الكاتب الذي يعرف قيمة من يحفظ للكلمة جمالها، وبلغة الإعلامي الذي يعرف أن الصورة المتقنة أحيانًا تقول ما تعجز عنه عشرات العبارات، وبلغة الشاعر الذي يرى في كل حرفة متقنة قصيدة من نوع آخر.
فلكم مني كل التقدير، ولكل العاملين معكم دعوة صادقة بالمزيد من النجاح والتوفيق والازدهار.
وإن كانت الكلمات وسيلة الكاتب إلى الوفاء، فلا يكتمل الوفاء عندي إلا بشعر.
ولهذا أهديكم من «أوتار القلم» هذه القصيدة:
⸻
قصيدة «سدن… حكاية إتقان»
إهداء إلى مطبعة سدن للتصميم والطباعة وفريق عملها في جدة
بقلم: الدكتور أحمد عبدالغني الثقفي
شاعر «أوتار القلم»
يا سدنَ الطبعِ يا عنوانَ إتقانِ
يا موطنَ الفنِّ والإبداعِ والإحسانِ
في كلِّ ورقٍ لكم فنٌّ نطالعُهُ
وفي الحروفِ جمالُ الذوقِ عنواني
جئنا بفكرةِ حلمٍ في مخيلتي
فعدتمُوها جمالًا فاقَ تبياني
حبرٌ وورقٌ ولكن حين تجمعُهُ
أيدي المهارةِ يصبح روضةَ الفنّانِ
ما الطبعُ ضغطُ زرٍّ ثم ننصرفُ
فالطبعُ فنٌّ عريقٌ صانهُ الإنسانِ
واللونُ عندكمُ معنى وتنسيقهُ
لحنٌ تراقصَ في أنغامِ ألوانِ
والخطُّ يُختار كي تسمو رسالتُهُ
كأنَّه البوحُ من قلبٍ ووجدانِ
والغِلافُ ليس غلافًا في صناعتكم
بل أولُ الوعدِ للقرّاءِ والعينانِ
والصفحةُ البيضاءُ إن مرّت بأنملكم
أضحت حديقةَ فكرٍ طابَ للظمآنِ
كم من كتابٍ أتى أوراقَ مسودةٍ
وعاد يحمل تاريخًا لأزمانِ
وكم مؤلفٍ رأى أحلامَهُ فرحًا
بين اليدين فقال الحمدُ للرحمنِ
سنواتُ عمرٍ من الأفكارِ يكتبها
حتى يراها كتابًا بين إنسانِ
وهذه اللحظةُ الكبرى نعرفها
نحنُ الذين عشقنا الحرفَ من زمانِ
فالحرفُ طفلٌ وفي المطبوع مولدُهُ
والحبرُ أولُ أثوابٍ وأكفانِ
لكنَّه خالدٌ يبقى بصاحبهِ
إن غاب جسدٌ ففكرُ المرءِ لا يفنى
يا سدنَ الطبعِ والإبداعِ إن لكم
في كلِّ عملٍ جميلٍ بصمةَ الفنانِ
سرعةُ إنجازكم والحسنُ يجمعها
صدقُ المواعيدِ مع لطفٍ وإتقانِ
فالوقتُ عند الكريمِ الحرِّ منزلةٌ
والوعدُ دينٌ لدى أهلٍ وفرسانِ
وأنتمُ وعدكمُ بالفعل نلمسهُ
لا بالكلامِ ولا زخرفِ الإعلانِ
من يستحق الثنا نعطيه من أدبٍ
فالحقُّ أولى بتبيانٍ وإعلانِ
شكري لكم ليس سطرًا ثم أختمهُ
الشكرُ يبقى على الأيامِ عنواني
شكرًا لمن صاغ تصميمًا وأبدعهُ
وشكرًا لمن راجعَ الألوانَ بتفانِ
وشكرًا لكل يدٍ مرّت على ورقٍ
حتى استوى كاملًا في خيرِ ميزانِ
وشكرًا لمن في خفاءٍ كان مجتهدًا
ولا يراه سوى الرحمنِ في الشانِ
كم عاملٍ خلف هذا الحسن ما ظهرَت
أسماؤه رغم ما أعطى بإتقانِ
له التحيةُ مني كلما ابتسمت
في صفحةٍ روعةُ الترتيبِ والبيانِ
يا أهلَ سدن لكم مني مودّتُنا
والودُّ أعلى من الأشعارِ أحيانِ
جدةُ العروسُ بكم تزهو صناعتها
وفي ربوعكمو الإبداعُ يلقاني
فيها الطباعةُ تاريخٌ نفاخِرُهُ
وفيها الحرفُ من ماضٍ لأزمانِ
وأنتمُ اليوم فصلٌ في حكايتها
من الجدِّ والفنِّ والإبداعِ عنوانِ
ليس النجاحُ جهازًا في مطابعكم
بل همةُ العاملِ المقدامِ يقظانِ
فالآلةُ الصماءُ لا تصنع وحدتها
مجدا بغير يدٍ وعقلِ إنسانِ
والروحُ روحُ فريقٍ حين تجمعهم
غايةٌ واحدةٌ في خيرِ ميدانِ
أن يخرج العمل المأمولُ في صورٍ
تليق بالاسمِ والإبداعِ والفنّانِ
هذا هو الفن؛ أن ترعى تفاصيلًا
قد لا يراها سريعُ الطرفِ أحيانِ
لكن عينَ الجمال الحرِّ تدركها
مثل الخبيرِ بنظم الدرِّ مرجانِ
قصٌّ دقيقٌ وتجليدٌ ومنتجكم
يأتي نظيفًا كنور الفجرِ ريانِ
حتى التغليفُ عند القومِ فلسفةٌ
تحمي الجمالَ وتكسوه بألوانِ
والعميلُ يأتي وفي الأعماقِ فكرتهُ
فيغادرُ البابَ مسرورًا وفرحانِ
تلك التجارةُ إن كانت معاملها
خلقًا وصدقًا وإحسانًا بإحسانِ
فالمالُ يأتي ويذهب ثم يعقبهُ
لكن حسنَ الثنا باقٍ لأزمانِ
والاسمُ يبنيه صدقُ الناس لا صورٌ
ولا الدعايةُ إن خلت من البرهانِ
وابنوا على المجد مجدًا لا نهايةَ لهُ
فالقممُ البيضُ مأوى كلِّ طموحانِ
جددوا الفنَّ والتقنيةَ وارتقوا
فالكون يجري سريعَ الخطوِ كلَّ آنِ
واجعلوا الجودةَ الكبرى عقيدتكم
فالجود يبني بيوتَ المجدِ والبنيانِ
وامضوا وسيروا وعينُ الله تحفظكم
من كل عثرةِ دربٍ أو من الحرمانِ
ولتنثروا الحسنَ في الآفاقِ أجمعها
فالحسنُ رسالةُ أربابٍ وإتقانِ
يا «سدن» يا صفحةً بالخيرِ مشرقةً
مني السلامُ ومن قلبي وتحناني
إن خانني الشعرُ في تعدادِ فضلكمُ
فالعذرُ أن الثنا بحرٌ بلا شطآنِ
لكنني صغتُ من «أوتار قلمي» لكم
لحنا من الودِّ والإجلالِ عرفاني
فليشهد الحرفُ أني قلتها أدبًا:
شكرًا لسدن… أهلَ الذوقِ والإتقانِ
⸻
الدكتور أحمد عبدالغني الثقفي
كاتب وإعلامي سعودي
شاعر «أوتار القلم»
«أكتب لأن بعض المعاني لا يليق بها الصمت، وبعض الكلمات خُلقت لتبقى أثرًا.»
أحمد الثقفي