من يشتري خاطرك فاشتره بعمرك

من يشتري خاطرك فاشتره بعمرك
من يشتري خاطرك، ويصون ودك، ويحفظ حضورك في غيابك، فاشتره بعمرك؛ لأنك في هذه الصفقة لست خاسرا، بل أنت الكسبان. فالقلوب الصادقة لا تقدر بثمن، والمواقف النبيلة لا تعوض، والإنسان الذي يختار أن يجبر قلبك في زمن كثرت فيه الكسور، يستحق منك الوفاء والتقدير.
هناك أشياء جميلة لا تطلب، لأنها حين تطلب تفقد كثيرا من معناها؛ منها عفوية الحديث، وصدق الاهتمام، والسؤال عن الأحبة، واستمرار التواصل، ووفاء الأصدقاء. فالاهتمام الحقيقي لا يحتاج إلى تذكير، والمودة الصادقة لا تنتظر مناسبة، والوفاء لا يكون كلمات تقال، بل أفعال تظهر عند الشدائد.
كن ممن يجمعون الشمل، ويصلحون ذات البين، ويقربون القلوب، ولا تكن ممن يفرقون الناس أشتاتا، ويزرعون الخصومة، ويحيون الخلافات. فالكلمة الطيبة قد تعيد قلبا أوشك أن ينكسر، والاعتذار المقبول قد ينقذ علاقة جميلة، والموقف الكريم قد يمحو أعواما من الألم.
إذا جاءك المهموم فاستمع إليه بقلبك قبل أذنك، فقد لا يكون محتاجا إلى حل بقدر حاجته إلى من يشعر به. وإذا جاءك المعتذر فاصفح عنه، فالنفوس الكبيرة لا تفرح بزلات الآخرين، بل تسمو بالتجاوز والعفو. وإذا ناداك صاحب حاجة فانفعه بما تستطيع، فرب دعوة صادقة في ظهر الغيب تفتح لك أبوابا ظننت أنها أغلقت إلى الأبد.
تعلموا العطاء حتى في ظروفكم الخانقة، وتعلموا كيف تهدون النور لمن حولكم وإن كانت خفاياكم متعبة. فليس العطاء دائما مالا، بل قد يكون كلمة مطمئنة، أو ابتسامة صادقة، أو دعاء خفيا، أو موقفا يحفظ كرامة إنسان، أو يدا تمتد في الوقت الذي تراجعت فيه الأيدي.
قد يظن بعض الناس أن العطاء في أوقات التعب استنزاف، لكنه في ميزان الله باب من أبواب الفرج. فما تقدمه للآخرين لا يضيع، وما تجبر به قلبا مكسورا يعود إليك سكينة، وما تزرعه من خير تجده في الطريق حين تشتد حاجتك إليه.
اجعل لنفسك أثرا طيبا في كل مكان، ولا تمر في حياة الناس عابرا بلا رحمة. كن الرفيق الذي يطمئنون إليه، والصديق الذي لا يتغير، والإنسان الذي إذا حضر نشر المحبة، وإذا غاب بقي ذكره جميلا.
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، واجعلنا ممن يجبرون الخواطر، ويصلون الأرحام، وينشرون المودة، ويعينون المحتاج، ويعفون عمن أساء. اللهم ارزقنا قلوبا نقية، وألسنة صادقة، وأعمالا ترضيك عنا، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.